نداء الجذور
“الجذور ليست قيودًا بل امتداد لروحك.”
في قريةٍ نائيةٍ تغفو بين الجبال، عاش -يوسف-، رجلٌ في منتصف العمر، عاد إلى قريته بعد سنواتٍ طويلة قضاها في المدينة. وجدها كما تركها: البيوت الطينية المتراصة، الهواء المشبع برائحة الأرض الرطبة، وأصوات الجدّات تغزل الحكايات على ضوء القمر.
بينما كان يتجول بين الأزقة الضيقة، توقف عند شجرة زيتون ضخمة وسط الساحة. كانت الشجرة قديمة قدم القرية نفسها، جذورها تمتد عميقًا في الأرض، وفروعها تمتد نحو السماء كأنها تسعى لاحتضان الغيوم. جلس يوسف تحتها، يضع يده على جذعها الخشن، وقال بصوتٍ خافت: -هل تتذكرينني؟-
همس صوتٌ داخلي كأنه ينبعث من قلب الشجرة: -كيف أنسى من ولد تحت ظلالي؟-
تأمل يوسف جذور الشجرة الممتدة وقال: -هربت من هنا باحثًا عن معنى الحياة في مدنٍ صاخبة، لكني لم أجد سوى فراغٍ يبتلعني. هل يمكن أن تكون الجذور أقوى من الرحيل؟-
رد الصوت بهدوء: -الجذور ليست قيودًا، بل امتدادٌ لروحك. قد تبتعد عنها، لكنك دائمًا تعود لترويها. الوطن يا يوسف ليس مكانًا، بل هو ذاكرةٌ تعيش بداخلك.-
أغمض يوسف عينيه، فشعر بنبضٍ دافئ يملأ صدره. أدرك أن ما كان يهرب منه كان يسكنه طوال الوقت.
حين غادر الساحة، ترك خلفه قلبه متشابكًا مع جذور الشجرة، كأنه أخيرًا وجد حضن الوطن الذي كان يبحث عنه في كل مكان إلا داخله.