صوت الماء
“الوطن صوت دائم ينتظر أن يُسمع.”
عند حافة الوادي، حيث يتراقص ضوء القمر على سطح النهر، وقفت -سارة- تحدق في المياه التي كانت تتدفق بلا توقف. كانت قد عادت إلى قريتها بعد عشرين عامًا من الغياب، باحثةً عن إجابة لسؤالٍ ظل يطاردها: -ما الذي يجعل الإنسان يشعر بالانتماء؟-
اقترب منها -عمر-، صديق طفولتها، الذي لم تغيره السنين كثيرًا. جلس بجانبها وقال: -ما الذي يعيدك إلى هنا بعد كل هذا الوقت؟-
أجابت وهي تشير إلى النهر: -كنت أبحث عن هذا المكان. هنا كنت أشعر بالأمان، وكأن صوت الماء يحكي لي قصصًا لا تنتهي. لكنني لا أعرف إن كنت أستحق هذا الشعور بعد كل ما حدث.-
نظر عمر إلى النهر وقال: -الماء لا يحاكمك، إنه يستقبلك كما أنت. أتعلمين، النهر يشبه الوطن. لا يهتم بماضيك، بل بما تحمله في قلبك عندما تعود إليه.-
صمتت سارة للحظة، ثم غمغمت: -لكنني أشعر أنني غريبة هنا، كأنني لم أعد جزءًا من المكان.-
ابتسم عمر وقال: -الغرابة ليست في المكان، بل في نظرتنا له. الوطن ليس شيئًا نفقده، بل شيئًا نعيد اكتشافه.-
غاصت سارة في صوت الماء، شعرت كأن النهر يهمس لها: -أنتِ جزءٌ من هذا التيار، مهما ابتعدتِ. كل خطوةٍ نحو العودة هي بداية انتماء جديد.-
في تلك الليلة، غادرت سارة الوادي وهي تحمل في قلبها يقينًا جديدًا: أن الوطن ليس مجرد مكانٍ يعود إليه الإنسان، بل هو صوتٌ دائم يتردد في أعماقه، ينتظر فقط أن يُسمع.