الرمل
“الوطن يصوغنا حيث نرحل ويمنحنا هويتنا.”
في أقصى الصحراء، حيث لا يُسمع سوى أنين الرياح، جلست -ليلى- فوق كثيب رملٍ مرتفع، تنظر إلى الشمس الغاربة. كانت الرمال دافئة، تحتضن قدميها كما لو أنها جزء من جسدها المنهك. قالت وهي تراقب الأفق: -هل يمكن أن يصبح الرمل وطنًا؟-
رد -إبراهيم-، العابر الوحيد الذي وجدته في رحلتها: -الرمل ذاكرة صامتة، يحمل آثار الخطوات، لكنه لا يحتفظ بها. هل هذا هو الوطن؟ مكان نُولد فيه، لكنه لا يحتفظ بنا؟-
صمتت ليلى، ثم نظرت إلى أثر قدميها على الرمال، قالت بتأمل: -لكن الرمل يغيرنا… يطبعنا بمساراته، يمنحنا شكلاً جديدًا في كل خطوة. أليس الوطن هو ما يصوغ هويتنا، حتى إن رحلنا؟-
ضحك إبراهيم بخفة: -ربما الوطن كالصحراء، لا حدود له إلا في داخلنا. نبحث عنه دائمًا، مع أننا نحمله معنا أينما ذهبنا.-
في لحظة غروب الشمس، لمعت الرمال بلون ذهبيٍ خافت. شعرت ليلى كأنها تسمع همسًا عميقًا ينبعث من الكثبان: -الوطن ليس مكانًا، بل شعور. إنه حضن دافئ يمتد في داخلك، يمنحك معنى حين تفقد كل شيء.-
وقفت ليلى، وقالت وكأنها تخاطب الريح: -إن كان الوطن شعورًا، فليكن قلبي حضنًا له.-
ابتسم إبراهيم ورحل، تاركًا أثراً جديدًا على الرمال، أثرًا سيختفي مع أول عاصفة. لكن ليلى أدركت أخيرًا أن الوطن ليس في الأثر، بل في الرحلة نفسها.