ذكريات
القوة ليست في البقاء بل في تقبل الرحيل
كان الجو مشبعًا بالصمت حين وقف أمام القبر، الأرض باردة تحت قدميه كأنها تحاول أن تسحبه نحو أعماقها. حمل حقيبته الجلدية القديمة، تلك التي رافقته طوال سنوات غربته، ووقف يحملق في الاسم المنحوت على قطعة الرخام الصغيرة. لم يكن القبر مميزًا بشيء، لكنه حمل ثقل العالم بأكمله في تلك اللحظة.
انحنى وأخرج من جيبه قطعة قماش مهدبة الأطراف، باهتة اللون. شمّها بصمت. لا رائحة. فقط فراغ. بينما كان يسترجع مشهدًا من طفولته، طفل صغير يركض نحوها، يرتمي في حضنها، يدفن وجهه في دفئها، وصمت يحيط بالمشهد كأنه مقدس. أغمض عينيه، وكأنما يحاول الإمساك بتلك الذكرى الهاربة.
قطع الصمت صوت خطوات خلفه. استدار ليجد حارس المقبرة، رجل عجوز يبدو كأنه جزء من المكان، يقف عند البوابة الصغيرة. قال الحارس بصوت خافت:
-كنت صغيرًا جدًا حين ودّعتها، أليس كذلك؟-
أومأ بصعوبة، بالكاد يخرج صوته:
-أصغر مما ينبغي.-
اقترب الحارس خطوة وأشار إلى القبر:
-كانت تجلس هنا دائمًا، تمسك بقطعة القماش تلك، تنتظرك. كانت تبتسم، لكنها لم تنظر يومًا بعيدًا عن الطريق.-
قبض على قطعة القماش بشدة، وكأنها الحبل الأخير الذي يربطه بها. جلس على الحافة، يستند على ذكرياته الثقيلة، وقال للحارس:
-هل كنت هنا حين دفنوها؟-
-نعم، كنت هنا. قالت إنها تخشى ألا تجدك في النهاية.-
ابتسم ابتسامة واهية، وكأنها تحمل عبء كلماتها. دفن قطعة القماش في التراب بجانب القبر، ونهض ببطء، لكنه لم يتحرك على الفور.
قاطع أفكاره صوت ناعم. التفت ليجد فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات تقف على مسافة قريبة، تحمل زهرة برية في يدها. كانت عيناها الواسعتان مليئتين بالفضول. سألها بلطف:
-ماذا تفعلين هنا؟-
أجابت ببراءة:
-أتيت لأزور أمي. قالوا إنها هنا.-
تسللت كلماتها إلى أعماقه كأنها تعيد فتح جرح قديم. نظر إلى الزهرة وسألها:
-أحضرتِها لها؟-
أومأت الصغيرة بحماس، ثم قالت:
-قالت لي أن أكون قوية. لذلك أحضرت زهرة قوية، لا تموت بسهولة.-
نظر إلى الأشياء التي كان قد وضعها بجانب القبر: مشط خشبي، صورة باهتة، ومنديل مطرز. التقط المنديل، وناوله لها بابتسامة حزينة:
-خذي هذا. إنه أقوى مما تتصورين.-
ترددت الصغيرة للحظة، ثم أخذته وركضت بعيدًا، تاركة خلفها أثرًا خفيفًا كأنها شبح الذكرى.
وقف أمام القبر للمرة الأخيرة، وهمس:
-أمي، كنتِ دائمًا تقولين إن القوة ليست في البقاء، بل في القدرة على الرحيل عندما يحين الوقت. أظن أنني بدأت أفهم الآن.-
غادر المكان بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه الحقيبة والأشياء، لكنه حمل شيئًا جديدًا معه: ذكراها، التي لم تعد عبئًا يثقله، بل ضوءًا صغيرًا يضيء طريقه الطويل.