وجه في المرآة
“المرآة لا تعكس الحقيقة… إنها تُخبرنا بما نخشى أن نراه في أعماقنا.”
في صباح شتوي ثقيل، جلس الدكتور كمال، الأخصائي النفسي السريري، خلف مكتبه في عيادته المشرقة. طرق الباب برفق، ثم دخلت شابة هزيلة المظهر، كانت قد حجزت موعدها قبل أسبوع. جلست أمامه بعيون فارغة لا تحوي شيئًا سوى فراغ يتشظى في صمت.
“اسمي ليلى”، قالت بصوت خافت. “أعاني كوابيسًا مستمرة… كأنها ليست كوابيس، بل حياة أخرى أحياها أثناء النوم.”
رفع كمال حاجبه باهتمام، وأومأ برأسه مشجعًا، بينما دوّن ملاحظاته.
“أخبريني أكثر. ماذا يحدث في تلك الكوابيس؟”
تجمّدت نظرات ليلى للحظات وكأنها تبحث عن الكلمات وسط ظلام أفكارها.
“هناك وجه… وجه لا أستطيع رؤيته بوضوح، لكنه مألوف. يقف عند المرآة… ولا يعكس سوى فراغ أسود.”
تجهم كمال قليلًا دون أن يُظهر قلقه. تابع بجلسة ظهره وأشار ليلى للمتابعة:
“كيف يجعلك هذا الوجه تشعرين؟”
همست ليلى: “يجعلني أرتجف… وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد. أستيقظ وأتنفس بصعوبة، وكأن روحي علقت في ذلك الظلام.”
بينما واصلت ليلى حديثها، تملّك كمال شعور غريب، كأن كلماتها تحفر فجوة عميقة داخل رأسه. شيء لم يستطع تحديده بعد. ظل يحافظ على تعابير هادئة، لكن أنفاسه باتت متسارعة دون قصد.
الجلسة تمضي بثقل: أسئلة، إجابات، وقطع غامضة من ذاكرة ليلى تفيض على السطح. في إحدى اللحظات، التقطت عيناها بعفوية صورة معلقة على الجدار خلف كمال.
“هذه الصورة… أعرف هذا المكان.”
التفت كمال للصورة: كانت مجرد لوحة غامضة لمرآة قديمة يتشظى زجاجها وسط ظلام معتم.
“هل حلمتِ بهذا المكان؟” سألها بهدوء.
تجمّدت ليلى للحظة أخرى، ثم قالت بصوت مبحوح: “رأيته مرارًا… وفي المرآة يقف شخص يشبهك تمامًا.”
تصلّب جسده. “ماذا تقصدين؟”
لكنها صمتت، وكأنها ابتلعت الكلمات. الجلسة انتهت بعد قليل، لكن أثرها بقي مع كمال كالصدأ الذي يصعب إزالته.
تلك الليلة، أطفأ كمال مصباحه في مكتبه المنزلي وذهب للنوم، مستنزفًا من يومه الطويل. لم يكد يغفو حتى وجد نفسه في كابوس عميق:
كان يسير في ممر مظلم طويل، الجدران مغطاة بمرايا مشروخة تعكس أشكالًا مشوهة. خطواته كانت ثقيلة كأنه يغوص في الوحل. فجأة، رأى بابًا في نهاية الممر، يفتحه بصعوبة ليجد غرفة ضبابية تتوسطها مرآة قديمة متشققة. اقترب منها بخوف غير مبرر.
في البداية، رأى انعكاسه؛ وجه متعب ومرهق. لكن مع كل نظرة إضافية، بدأ الانعكاس يتغيّر: شقوق المرآة أصبحت أعمق، وظل أسود بدأ يتخذ شكلًا بشريًا خلفه.
التفت كمال بجنون ليرى مَن خلفه، لكن الغرفة كانت فارغة. عندما عاد ببصره للمرآة، كان الظل قد أصبح أوضح… كان وجهه تمامًا، لكنّه بعيون ليلى.
“أنت!” صرخ وجهه داخل المرآة، قبل أن تتحطم بزئير مدوٍّ.
استيقظ كمال مفزوعًا، يتصبب عرقًا، قلبه يخفق بعنف. كان يشعر أنه لا يزال عالقًا في ذلك الحلم. نهض إلى الحمام ليغسل وجهه، وعندما رفع رأسه… ارتجف.
في مرآة الحمام، كان انعكاسه سليمًا، لكن خلفه ظل خفيف يشبه ليلى.
في اليوم التالي، عاد كمال إلى عيادته. قرر مراجعة ملف ليلى، ليتفاجأ بمعلومة أغفلها: ليلى كانت ابنة مريض قديم كان قد عالجه قبل سنوات طويلة. المريض كان قد عانى من اكتئاب حاد انتهى بانتحاره. شعور ثقيل بالذنب اجتاح كمال. هل كان هذا اللقاء مصادفة؟ أم أن اللاوعي أراد إعادته إلى تلك الحقبة المظلمة من حياته؟
أعاد شريط حياته ليتذكر. كان قد عالج والدها في سنواته الأولى كمعالج نفسي… والمريض الأخير الذي عالجه والد كمال نفسه قبل انتحاره كان يُدعى “كمال.”
تجمّدت الأفكار في عقله كأنها نبوءة مرعبة. تساءل:
- هل كان كابوسه إسقاطًا لحقيقته المدفونة؟
- أم أنّ ما رآه في ليلى هو ظل أخطائه القديمة؟
جلس في هدوء قاتل، يشعر أن المرايا في عيادته قد لا تعكس الواقع فقط… بل تكشف أعماقًا كان يهرب منها طوال حياته.