لا أحد يعرف
اندلعت العاصفة خارج المزرعة القديمة، وارتطمت الرياح بالألواح الخشبية للنوافذ المهجورة. داخل الغرفة، تجمعت مجموعة صغيرة حول شمعة وحيدة تومض على طاولة خشبية، بعد أن انقطعت الكهرباء منذ ساعات. كان الهواء كثيفاً بالتوتر، وجوههم تحمل مزيجاً من القلق والخوف. لم يجرؤ أحد على كسر الصمت، لكن الحقيقة المظلمة كانت واضحة: شخص ما بينهم ليس كما يبدو.
جاءوا من أماكن متفرقة، غرباء جمعهم المصير في هذا المكان المنعزل. ماريا، الصحفية التي تطارد خيوط قضية اختفاء غامضة. إبراهيم، المزارع المحلي، الذي بدا حريصاً بشكل مريب على استضافتهم. ليلى، الفنانة الصامتة التي بالكاد رفعت نظرها منذ دخولها. يوسف، المحقق المتقاعد، الذي كان يراقب الجميع بحدس سنوات خبرته. وأخيراً، سامي، التائه الغامض الذي كان صمته لغزاً بحد ذاته.
قبل ساعات، وصل تحذير عبر الراديو: -شخص خطير طليق. لا أحد يعرف هويته، لكنه مسلح وخطر. ابقوا في منازلكم.- ثم انقطع البث فجأة، تاركاً الجميع في مواجهة احتمال مرعب: ربما يكون هذا الشخص الخطير هنا، بينهم.
قال يوسف بنبرة هادئة لكنها حادة: -لنكن صريحين. نحن لسنا آمنين. الراديو قال إن هناك خطراً، وربما يكون بيننا.-
انفجر إبراهيم قائلاً: -من السهل أن تقول ذلك، لكن ماذا عن هؤلاء الغرباء؟ أنت لا تعرفهم. لماذا لا نشك فيك أنت؟-
ردت ماريا، عيناها تضيقان: -وأنت؟ لماذا كنت ترحب بالجميع؟ يبدو أنك تخفي شيئاً.-
تزايدت حدة التوتر بين المجموعة. تبادل الجميع النظرات الحذرة، كل منهم يحاول كشف الآخر. في هذه اللحظة، وقف سامي بهدوء وتوجه نحو النافذة، مراقباً الظلام الذي يلف المزرعة.
قال بصوت منخفض وثابت: -الجدال لن يفيد. إذا كان أحدنا هو الخطر، سيكشف عن نفسه قريباً.-
قاطعت ليلى الصمت، صوتها يرتجف: -هناك شيء يجب أن تروه.- أخرجت ورقة مطوية من جيبها ووضعتها على الطاولة. كانت خريطة ممزقة، دوائر حمراء تشير إلى مواقع حالات اختفاء غامضة.
سألتها ماريا بغضب: -من أين حصلتِ على هذه؟-
ترددت ليلى قبل أن ترد: -كانت في حقيبتي. لا أعرف كيف وصلت إلى هناك.-
نظر يوسف إلى الخريطة بإمعان، ثم قال بحدة: -هذه ليست مصادفة. شخص هنا يعرف أكثر مما يبوح به.-
توجهت الأنظار نحو سامي. قالت ماريا: -أنت هادئ أكثر من اللازم. ماذا تخفي؟-
رد سامي بنبرة جامدة: -يمكنني أن أسألك السؤال نفسه.-
قبل أن يُكمل أي منهما الحديث، تردد صرير ألواح الأرضية من الطابق العلوي. تجمد الجميع في أماكنهم، التوتر يخنقهم.
همس إبراهيم: -هناك أحد آخر في المنزل.-
أمسك يوسف بمصباح يدوي وقال: -ابقوا هنا.- لكنه لم يستطع منع ماريا من اللحاق به.
تسللا إلى الطابق العلوي، والأرضيات القديمة تئن تحت أقدامهم. قادهما الصوت إلى باب مغلق في نهاية الممر. فتحه يوسف بقوة، ليكشف عن غرفة مليئة بالصور والمقالات والخرائط المرتبطة بالمفقودين. في وسط الغرفة كان دفتر ملاحظات مكتوب على غلافه: -لا أحد يعرف.-
فتحت ماريا الدفتر بأيد مرتجفة. كان مليئاً بروايات مفصلة لكل اختفاء، مكتوبة بأسلوب هادئ وبارد.
قالت بصوت خافت: -هذا ليس عملاً عشوائياً. هذا الشخص كان يراقبنا جميعاً.-
هرعا إلى الطابق السفلي، لكن الشمعة كانت مطفأة، وبقية المجموعة اختفت. في الخارج، حملت الرياح صوت خطوات غامضة.
ظهر سامي فجأة عند المدخل، حاملاً فانوساً. قال بهدوء: -تعاليا معي. الآن.-
قادهم سامي إلى الحظيرة، حيث وجدوا إبراهيم مقيداً على كرسي وليلى واقفة فوقه، يداها ترتجفان وهي تمسك بسكين.
قالت ليلى بصوت مكسور: -لقد كان هو. وجدنا دفتره. كان يخطط لكل هذا.-
حاول إبراهيم التحدث: -أنتم لا تفهمون. كنت فقط…- قاطعه سامي بصوت صارم: -كفى. لن يموت أحد الليلة.-
مع انحسار العاصفة، تكشفت الحقيقة. كان إبراهيم يراقب حالات الاختفاء، لكنه لم يكن الجاني. كان يحاول معرفة مصير أخيه المفقود. أما ليلى، فقد كانت الفاعلة الحقيقية. زرعت الخريطة في حقيبتها وأثارت الشكوك لإبعاد الأنظار عنها.
قبل أن يتمكنوا من القبض عليها، اختفت ليلى في العاصفة، تاركة وراءها رسالة مكتوبة على جدار الحظيرة: -لا أحد يعرف.-
تم التخلي عن المزرعة بعد تلك الليلة، وأصبحت قصتها تُروى كحكاية أشباح في البلدة. وفي مكان بعيد، كانت ليلى تتحرك بين الظلال، ابتسامة باهتة ترتسم على وجهها.