لحظتي مكتبة د. محمود عبد العال القصصية
السر الذي يسكننا

أقنعة الظلال

القصة 3 من 6 في هذه المجموعة

كان السوق يعج بالحياة بينما بدأ الغسق ينشر عباءته فوق مدينة إلارا القديمة. تتأرجح الفوانيس برفق في نسيم المساء، ترسم ظلالاً راقصة على الشوارع المرصوفة بالحجارة. بين الباعة وفناني الأداء، تحركت شخصية ملثمة بصمت، تتنقل بانسيابية بين الحشود، لكنها كانت تجذب انتباه كل من يلمحها.

ارتدى الشخص الملثم قناعاً متلألئاً، كأنه مصنوع من فضة سائلة تعكس شظايا الضوء وتخفي هويته تماماً. كان هذا القناع سيئ السمعة، تتداوله الألسن بأنه يمنح مرتديه القدرة على رؤية أعماق الناس؛ أحلك أسرارهم وأعمق رغباتهم.

في قلب السوق، كان هناك مسرح قديم أعيد استخدامه لمزاد سري يُعرف بـ-مزاد الظلال-. هنا، يتجمع أولئك الذين تلاحقهم أسرار مظلمة أو الذين تغلبهم حاجات يائسة. الليلة، كان الظل المعروض في المزاد ذا طبيعة خاصة: ذكرى مسروقة لملك قديم، قيل إنها تحتوي على مفتاح عرش لم يطالب به أحد.

كان المسرح مكتظاً، والهمسات تتردد بين الحضور الملثمين. جلس صاحب القناع، المعروف بلقب حامل الظلال، في زاوية مظلمة، يراقب الجميع بصمت، حضوره مغناطيسي ومقلق في الوقت ذاته.

وسط المزاد، تقدمت امرأة شابة تُدعى ليلى بخطوات ثابتة. كان وجهها شاحباً يحمل مزيجاً من الألم والتصميم. رفعت قارورة سوداء صغيرة، تدور محتوياتها في ظلام كأنه لا ينتمي لهذا العالم.

قالت بصوت ثابت: -أعرض ظلاً من صنعي. قناع مزجت فيه الحقيقة بالكذب، وصقلته بفراغ روحي.-

تعالت همهمات الحضور بدهشة، فخلق الظلال كان فناً نادراً، لا يتقنه إلا من مر بألم لا يُحتمل. كان هذا الإعلان كافياً لإثارة فضول حامل الظلال، الذي أمال رأسه قليلاً وكأنما يدعوها للتقدم.

عندما انتهى المزاد، وجدت ليلى نفسها تقف أمام حامل الظلال في زقاق خلف المسرح، حيث كان ضوء القمر يتلألأ على قناعه. سألها بصوت عميق كأنه لحن مؤلم: -ما الذي تبحثين عنه، يا صانعة الظلال؟-

أجابته بحدة: -أسعى لتدمير القناع الذي ترتديه. لقد سرق كل شيء مني.-

ضحك حامل الظلال بصوت خافت. -آه، الانتقام… ظل قديم قِدم الزمن.-

شددت ليلى قبضتها على القارورة. -لقد أخذت ذكريات أختي وتركتها مجرد قوقعة فارغة. سأكشف حقيقتك وأدمرك.-

توقف حامل الظلال، ثم أزال قناعه ببطء. لكن ما كان تحت القناع لم يكن وجهاً، بل فراغاً مظلماً يجذب العين والروح. قال بصوت خافت: -أنا لست أرتدي قناعاً. أنا القناع.-

تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء، لكن فضولها تغلب على خوفها. -ما أنت؟-

وميض الفراغ للحظة، كأنه يروي قصة صامتة. كان حامل الظلال ذات يوم إنساناً؛ فناناً صنع الأقنعة للنخبة في مدينة إلارا. لكن إحدى العمولات المصيرية، قناع صممه لنبيل غيور، أفسدت حياته. استوعب القناع كراهية النبيل ودمجه مع روح الفنان، محولاً إياه إلى حامل الظلال.

قال لها بصوت كاد أن يكون شفقة: -ظلك أنت هو من سرق نور أختك. لم أكن أنا.-

تصلبت ليلى، والحقيقة تضربها كصاعقة. القارورة التي تحملها كانت أثقل مما تبدو، مليئة بالذكريات الموجعة التي نسجتها من ألمها وندمها. تذكرت تلك الليالي التي تجاهلت فيها توسلات أختها، وغرقت في سعيها لخلق الظل المثالي.

قال حامل الظلال: -يمكنني تحريرك، لكن عليك أن تقبلي الحقيقة.-

ترددت ليلى، ثم فتحت القارورة ببطء، مما سمح للظل بالانفلات. دار حولها للحظة، مثقلاً بالحزن والندم، قبل أن يندمج مع حامل الظلال.

مع تلاشي الظل، بدأ حامل الظلال بالتلاشي أيضاً. سقط القناع على الأرض، باهتاً وبارداً. شعرت ليلى بسلام غريب وهي تلتقط القناع، ثم غادرت الزقاق بهدوء، وعيناها تعكسان ضوء القمر.

في الأسابيع التالية، بدأت المدينة تهمس عن حامل الظلال الجديد. لكن هذه المرة، لم يكن وجوده باعثاً للخوف، بل للأمل. صار السوق مكاناً يواجه فيه الناس حقائقهم، ويجدون فيها الفداء.

ومع ذلك، في أعمق زوايا المدينة، ظل القناع يتلألأ بخفوت، منتظراً اليوم الذي سترتفع فيه ظلاله من جديد.