عتمة النهار
“نحمل ظلالنا أينما ذهبنا، لكن شروق الشمس بداخلنا هو قرار نختار أن نتخذه كل يوم.”
جلس الدكتور طارق في مكتبه، يتفحص السجلات بصمت وهو يحتسي قهوته السوداء. دقات الساعة تشير إلى الرابعة عصرًا، موعده مع حالة جديدة، شخصية غريبة لم يعرف عنها الكثير. “آدم” هو اسمه، شاب في منتصف العشرينات، أُحيل إلى العيادة بعد أن اتُهم بمحاولة إيذاء نفسه أكثر من مرة.
فُتح الباب ببطء، ودخل آدم. كان جسده هزيلًا، يده ملفوفة بشاش أبيض، وخطواته بطيئة كمن يحمل جبالًا فوق كتفيه. جلس على الكرسي المقابل للطبيب دون أن ينظر إليه.
طارق بصوت هادئ وهو يدوّن ملاحظة:
“مرحبًا يا آدم. كيف حالك اليوم؟”
آدم بنبرة ساخرة:
“يبدو أنك تعرف الإجابة، أليس كذلك؟ لا أظن أن أحدًا يرسلني إلى هنا لأنني بخير.”
رفع طارق نظره إليه بهدوء، كان يعلم أن خلف هذه الكلمات طبقات من الألم.
طارق: “أحيانًا ننكر حتى أننا نحتاج للمساعدة. لماذا تعتقد أنك هنا يا آدم؟”
آدم بصوت بارد:
“لأني فاشل… هذا ما يقولونه. والدتي، أخي، وحتى أنا.”
سادت لحظات صمت ثقيل قبل أن يواصل طارق الحوار.
طارق: “هل يمكنك أن تخبرني متى شعرت لأول مرة أنك… فاشل كما تقول؟”
تشنّج وجه آدم للحظة، وكأن شيئًا بداخله يرفض الكلام. أخيرًا قال بصوت منخفض:
“منذ كنت طفلًا… لم أكن أبدًا جيدًا بما يكفي.”
طارق: “لمن؟”
آدم بغضب مكبوت:
“لأبي. كان دائمًا يقول إنني ضعيف، وإن الحياة ستدهسني إن لم أكن أقوى. كان ينظر إليّ كأنني خيبة أمل تمشي على قدمين.”
لاحظ طارق ارتعاش أصابع آدم، فاستطرد بحذر:
“هل كان والدك قاسيًا معك؟”
آدم بصوت يخالطه مرارة:
“لم يكن يحتاج إلى ضرب أو صراخ… كان يكفيه الصمت والنظرة. تلك النظرة التي كانت تقول كل شيء.”
مع تكرار الجلسات، بدأ طارق يقترب أكثر من قلب المشكلة. في جلسة هادئة، قال طارق:
طارق: “آدم، هل يمكنك أن تصف لي كيف تبدو الأيام بالنسبة لك الآن؟”
ضحك آدم ضحكة جافة قبل أن يجيب:
“الأيام؟ كل يوم يشبه الآخر. أستيقظ فقط لأنتظر أن ينتهي. حتى الأشياء التي كنت أحبها أصبحت بلا معنى. الرسم مثلاً… توقفت عنه منذ سنوات.”
طارق مستغربًا: “كنت ترسم؟”
آدم وهو يُشيح بنظره: “نعم. لكنني كنت أُخفي لوحاتي. ذات مرة وجد والدي إحداها… مزّقها وألقى بها في وجهي.”
طارق: “لماذا فعل ذلك؟”
آدم ساخرًا: “قال إن الفن للضعفاء. وإنني لن أصبح شيئًا يُذكر يومًا.”
بعد أسابيع، قرر طارق خوض تجربة جديدة مع آدم.
طارق: “اليوم سنجرب شيئًا مختلفًا. أريدك أن تتخيل والدك هنا، جالسًا أمامك. ماذا تريد أن تقول له؟”
ارتجف آدم في البداية. قبض على ذراعي الكرسي بقوة وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الانفجار.
آدم بصوت يرتفع تدريجيًا:
“لماذا كنت قاسيًا معي؟ لماذا لم ترَ فيّ شيئًا جيدًا؟ كنت أريد فقط أن تراني… أن تقول لي يومًا إنك فخور بي!”
توقف للحظة، ثم انهار بالبكاء. كان بكاءً حادًا كمن أفرغ سنوات من الكبت دفعة واحدة.
طارق بهدوء: “وأنا أرى آدم أمامي الآن. وأراه شخصًا قويًا لأنه واجه أصعب ما فيه. هل ترى ذلك أيضًا؟”
رفع آدم رأسه والدموع ما زالت على وجهه، لكنه بدا وكأنه يتنفس لأول مرة منذ زمن.
في الجلسة الأخيرة، دخل آدم بابتسامة خفيفة على وجهه. كان يحمل معه لوحة صغيرة ملفوفة.
طارق: “ما هذه يا آدم؟”
فكّ آدم اللوحة ووضعها أمامه. كانت رسمة لرجل يقف تحت شمس مشرقة، لكنه ما زال يُمسك ظله.
آدم بابتسامة هادئة:
“هذه أنا. ما زلت أحمل الظلال… لكنها لم تعد تسيطر عليّ.”
ابتسم طارق بفخر، ثم قال:
“إذن… هل ستستمر بالرسم؟”
آدم: “نعم. ولأول مرة سأرسم لنفسي، وليس لأحد آخر.”
عندما خرج آدم من العيادة، نظر طارق من نافذته وهو يراقبه يمشي بخطى أكثر ثقة.
دوّن ملاحظته الأخيرة:
“آدم لم يهزم الظلام تمامًا، لكنه أشعل أول شمعة في قلبه. والباقي سيأتي مع الوقت.”
في الخارج، كان النهار يوشك على الغروب… لكن بالنسبة لآدم، كانت تلك أول شمس حقيقية يراها منذ سنوات.