لحظتي مكتبة د. محمود عبد العال القصصية
من حكايات الوداع الأخير!

رسالة لم تكتمل

القصة 3 من 6 في هذه المجموعة

في منزل بسيط بأطراف المدينة، ساد الصمت الحزين بعد وفاة -حسن-، رب الأسرة الذي كان قلب البيت وروحه. وبينما كانت العائلة تجلس في غرفة المعيشة، تحيطهم رائحة الذكريات والأثاث القديم، لاحظت -سلمى-، الابنة الوسطى، دفترًا صغيرًا على الطاولة بجوار مقعد والدها المفضل.

أخذت الدفتر بيدين مرتجفتين، وفتحته لتجد فيه صفحات تحمل خط والدها. كانت الكلمات مرتبة بعناية، وكأنها كتبت لتدوم. قرأت العنوان الأول: -إلى ليلى-، والدتها.

-ليلى، حبيبتي ورفيقة دربي، إذا كنتِ تقرئين هذا، فهذا يعني أنني لم أستطع أن أقول لكِ ما يجب أن يُقال. كنتِ دائمًا قوتي عندما شعرت بالضعف، وملجأي عندما قست الحياة. سامحيني على كل مرة قصّرت فيها، وكل لحظة لم أُظهر لكِ كم كنتِ مهمة بالنسبة لي.-

توقفت الكلمات فجأة، وكأن القلم توقف قبل أن ينهي رسالته. انهمرت دموع ليلى، وهي تقرأ الكلمات، بينما سلمى قلبت الصفحة التالية لتجد عنوانًا آخر: -إلى أحمد-، الابن الأكبر.

-أحمد، يا ابني، كنت دائمًا منبع فخري. أرى فيك قوتي التي لم أستطع دائمًا التعبير عنها. أرجوك، تحمل مسؤولية العائلة من بعدي، وكن سندًا لأمك وإخوتك كما كنت دائمًا.-

مرة أخرى، توقفت الكلمات، وكأن والدهم لم يُكمل ما أراد قوله.

استمرت سلمى في قلب الصفحات، لتجد رسائل غير مكتملة لكل فرد من العائلة، كل منها يحمل اعترافًا أو وصية، لكنه لم يُكتب للنهاية. بدا وكأن حسن كان يحاول أن يترك جزءًا من روحه في كل رسالة، لكن الوقت خانه.

جلس الجميع في صمت، كل منهم يحمل جزءًا من الدفتر في يده، يحاول إكمال الرسالة بطريقته. كانت كلمات حسن بمثابة شعلة مضيئة تركها خلفه، تُضيء لهم طريقهم في غيابه.

وفي تلك اللحظة، أدركوا أن الحب لا يحتاج دائمًا إلى كلمات مكتملة، وأن الروابط الحقيقية تبقى حية، حتى لو تركت غير مكتملة.

الأمنية الأخيرة

كان -يوسف- مستلقيًا على سريره في غرفة مضاءة بنور شمس العصر التي تتسلل من النافذة المفتوحة. الغرفة كانت مليئة بالهدوء، إلا من صوت دقات الساعة الخافتة وأنفاسه المتقطعة. تجمع أبناؤه الثلاثة وزوجته حوله، وعيونهم مليئة بالدموع والعجز.

يوسف، الذي عاش حياته كربّان سفينة عائلته، كان دائمًا يحمل أحلامه بصمت، مشغولًا بعمله وسعيه لتأمين حياة كريمة لعائلته. لكنه الآن، في لحظاته الأخيرة، شعر بأن الوقت قد حان ليطلب شيئًا منهم.

ابتسم ابتسامة واهنة، ونظر إلى زوجته وقال: -لقد كنتِ قوتي في كل خطوة خطوتها. شكراً لأنكِ كنتِ معي دائمًا.- ثم التفت إلى أبنائه الثلاثة، وأخذ نفسًا عميقًا، كأنه يستجمع آخر ما تبقى من قوته.

قال بصوتٍ متهدج: -لدي أمنية أخيرة، أرجوكم أن تحققوها لي.-

نظر الأبناء إلى بعضهم بدهشة، وسأل الابن الأكبر: -ما هي، يا أبي؟ سنفعل أي شيء.-

تابع يوسف بصوتٍ خافت: -لطالما حلمت بزراعة شجرة زيتون في الحقل الذي ورثته عن جدي. كانت تلك الأرض هي المكان الذي قضيت فيه طفولتي، حيث تعلمت معنى الحياة والعمل والصبر. لكنني لم أجد الوقت يومًا لتحقيق ذلك الحلم.-

انهمرت دموع زوجته وهي تقول: -لكنك كنت دائمًا مشغولًا بنا، لم يكن هناك وقت لتحقيق أحلامك.-

هز يوسف رأسه ببطء وقال: -الآن، أنا أطلب منكم أن تزرعوها عني. أريد أن تكون تلك الشجرة شاهدًا على حبنا، على العائلة التي كافحت من أجلها. أريد أن تكون رمزًا للحياة التي عشتها من أجلكم.-

وعده الأبناء بحماس، رغم الألم الذي يملأ صدورهم. وفي تلك اللحظة، شعر يوسف بالسلام، وكأنه سلم روحه للأرض التي أحبها.

بعد أيام قليلة من رحيله، تجمع الأبناء في الحقل الذي وصفه والدهم. وقفوا في وسط الأرض يحملون شتلة صغيرة من شجرة الزيتون. بأيديهم المتشابكة، حفروا التربة وزرعوها بحب ودموع.

مع مرور السنوات، أصبحت الشجرة رمزًا لهم. كلما جلسوا تحت ظلها، شعروا بوجود والدهم، وكأن روحه تعيش بينهم. كانت تلك الشجرة هي الأمنية الأخيرة، لكنها أصبحت البداية الجديدة لعلاقة لا تنتهي مع الأرض ومع ذكراه.