لحظتي مكتبة د. محمود عبد العال القصصية
من حكايات الوداع الأخير!

اعتراف

القصة 2 من 6 في هذه المجموعة

في مساء شتوي بارد، وبينما كان -عبدالله- ممددًا على سرير المستشفى، بدا واضحًا أن الوقت لم يعد في صالحه. وجهه كان شاحبًا، وعيناه تبحثان عن شيء بعيد. من حوله تجمعت عائلته، زوجته وأبناؤه، لكن لم تكن تلك هي الوجوه التي أراد أن يراها الآن.

بصوت متقطع، قال: -أريد أن أراه… أين هو؟-

نظرت زوجته إليه بدهشة، ثم همست: -من تقصد؟-

أغمض عينيه وكأنه يستجمع ما تبقى من قوته، وقال: -أريد أن أرى خالد… صديقي القديم.-

كان الجميع يعلم عن خالد، الصديق الذي كان الأقرب له طوال سنوات شبابه، لكنهما انفصلا قبل عقدين بسبب خلاف بدا بسيطًا، لكنه كان كافيًا ليكسر رابطة صداقتهما العميقة.

اتصل الابن الأكبر بـ-خالد-، الذي فوجئ بالطلب لكنه وافق على الحضور. بعد ساعة، دخل خالد إلى الغرفة، وجهه يحمل خليطًا من الحيرة والقلق. جلس على كرسي بجوار السرير، وأمسك بيد صديقه القديم.

قال عبدالله بصوت ضعيف، لكن مليء بالندم: -خالد… أنا آسف.-

انحنى خالد قليلاً، وحدق في وجهه المتعب، وقال: -لا تتحدث، يا عبدالله. دعنا نترك الماضي خلفنا.-

لكن عبدالله أصر: -لا… أريدك أن تعرف أنني ندمت على كل لحظة تركنا فيها صداقتنا تذبل. كان غروري السبب، وأعلم أنني خسرت أعز ما كان لدي بسبب ذلك.-

امتلأت عينا خالد بالدموع، لكنه حاول أن يبقى متماسكًا. -عبدالله، لم يكن هناك شيء يستحق أن نخسر كل تلك السنوات من أجله. لكن صداقتنا لم تمت أبدًا في قلبي.-

ابتسم عبدالله ابتسامة واهنة، وكأنه قد أُزيح عنه حمل ثقيل. -شكرًا… كنت أخشى أن أرحل دون أن أقول هذا. كنت دائمًا أخي قبل أن تكون صديقي.-

ساد الصمت لبرهة، ولم يكن هناك حاجة للكلمات. كانت النظرات بينهما تحمل كل ما لم يُقال طوال تلك السنوات.

حين غادر خالد الغرفة، شعر بأن شيئًا ما قد تغير داخله. أما عبدالله، فقد أغمض عينيه للمرة الأخيرة، ووجهه مطمئن، كأنما قد صالح الزمن، والماضي، والنفس.