ظلال الماضي
“عندما يراك الماضي مجرد ظل، قاومه بأن تكون نورًا لا ينكسر.”
في مساء خريفي بارد، جلس الدكتور عادل، الأخصائي النفسي المتمرس، في مكتبه ذو الجدران المكسوة باللون الكريمي، المليء برائحة القهوة والورق القديم. الساعة تشير إلى السابعة مساءً، موعد الجلسة الأخيرة لليوم.
دخلت “نورا”، امرأة في أوائل الثلاثينات. كانت ملامحها هادئة، لكن عينيها كانت تحملان ثقلًا يصعب تفسيره. جلست قبالته بصمت دون أن تُظهر أي انفعال.
عادل بنبرة لطيفة:
“مساء الخير يا نورا. سعيد بوجودك هنا اليوم.”
نورا بصوت خافت، بالكاد يُسمع:
“لا أعلم إن كان هذا مفيدًا… لكنهم قالوا إنك الوحيد الذي قد يفهم.”
رفع عادل حاجبه قليلاً، ثم قال:
“من هم الذين قالوا ذلك؟”
نورا بعد تردد: “الأصوات… أصوات لا تفارقني.”
كان واضحًا منذ البداية أن نورا ليست كأي حالة أخرى. عادل دوّن ملاحظة سريعة على دفتره ثم قال بهدوء:
“أخبريني عن هذه الأصوات. متى بدأت تسمعينها؟”
نورا بعد صمت ثقيل: “منذ أربع سنوات… بعد الحادث.”
عادل بتركيز:
“أي حادث يا نورا؟ هل يمكنك الحديث عنه؟”
بدأت أصابع نورا ترتعش، فشبكت يديها بقوة كأنها تحاول أن تثبّت نفسها.
نورا بصوت ينكسر:
“كان حادث سيارة. كنت أنا السائقة… وفي المقعد الخلفي كان زوجي وابني.”
توقفت للحظة، ثم أضافت بصوت بالكاد يخرج:
“كنت أحاول تفادي شاحنة… لكنني فقدت السيطرة. لم أستطع إنقاذهما.”
بدت الغرفة كأنها ضاقت فجأة. التفت عادل بهدوء إلى نورا وقال:
“وهذه الأصوات… هل هي أصواتهما؟”
نورا بنبرة جافة:
“ليس تمامًا. إنها أصوات أشخاص يشبهونهم، لكنهم يصرخون في وجهي طوال الوقت: لماذا لم تُنقذينا؟”
في الجلسات التالية، بدأ عادل يغوص أعمق في عقل نورا. كان يعلم أن هذه الأصوات ليست سوى إسقاط لذنبها، صورة صوتية لما تحمله من مشاعر لم تتمكن من معالجتها.
في جلسة هادئة، وضع عادل قلمه جانبًا وقال:
“نورا، هل تودين مواجهة هذه الأصوات اليوم؟”
نورا بفزع: “كيف؟!”
عادل: “بالتخيل. سنجرب معًا أن نتحدث إليهم.”
أغمضت نورا عينيها، بينما بدأ عادل يوجهها بصوت هادئ:
“تخيلي أنك في نفس السيارة مرة أخرى. انظري إلى زوجك وابنك. ماذا ترين؟”
نورا بصوت مختنق:
“أراهما ينظران إليّ… لكن هذه المرة، هما يبتسمان.”
عادل: “ماذا يقولان لك الآن؟”
نورا بعد لحظة طويلة:
“يقولان… لم يكن ذنبك يا نورا. لقد حاولتِ إنقاذنا.”
فتحت نورا عينيها فجأة، والدموع تنهمر بصمت. كان ذلك أول اختراق حقيقي.
في الجلسة العاشرة، جاء عادل بورقة صغيرة ووضعها أمام نورا.
عادل: “أريدك أن تكتبي رسالة لزوجك وابنك. قولي لهم كل ما تشعرين به.”
ترددت نورا في البداية، لكنها أخذت القلم وبدأت تكتب. دقائق طويلة مرّت، كانت فيها الغرفة صامتة إلا من صوت القلم على الورق.
عندما انتهت، رفعت رأسها وقالت بصوت أكثر ثقة:
“لقد أخبرتهم بكل شيء… أخبرتهم أنني أحبهم، وأنني آسفة لأنني لم أتمكن من إنقاذهم. لكنني سأعيش الآن من أجلهم.”
ابتسم عادل وهو يرى في عينيها لأول مرة لمحة من الحياة.
بعد أشهر من العلاج، دخلت نورا إلى العيادة بثياب ملونة، شيء لم يفعله الأسود طوال جلساتها السابقة.
عادل مبتسمًا: “أراك اليوم مختلفة يا نورا.”
نورا بابتسامة خفيفة:
“الأصوات خفت كثيرًا. الآن عندما أسمعها… أقول لهم إنني أستحق الحياة.”
أومأ عادل برضا وهو يسجل ملاحظته الأخيرة:
“نورا بدأت تصالح الماضي. الرحلة لم تنتهِ بعد، لكن الظلام الذي كان يحيطها أصبح مليئًا بشعاع خافت من النور.”
في الخارج، كانت نورا تمشي تحت الشمس، بخطوات واثقة نحو حياة جديدة.