ممرات مظلمة
“الهروب من الماضي لا ينقذك منه… بل يُعيدك إلى نفس الممرات المظلمة، لكن بعيون أضعف.”
دقّات الساعة الحادة كانت تعلن قدوم الساعة التاسعة مساءً. في عيادته المتواضعة ذات الجدران الكئيبة، جلس الدكتور كمال يتفحص أوراقه بصمت. على مكتبه، كانت صورة ابنته الراحلة تراقبه بصمت، ذكريات لا يهرب منها، وكأنها جزء من زبائنه اليوميين.
الليلة كانت جلسته الثانية مع “سعيد”. شاب في أواخر العشرينات، بملامح شاحبة، وعيون غائرة تحكي عن شيء أبعد من مجرد أرق أو قلق.
الباب يُطرق.
كمال دون أن يرفع نظره: “تفضل بالدخول.”
فتح سعيد الباب بخطوات ثقيلة، جلس على المقعد دون أن ينطق بكلمة. ألقى بحقيبة سوداء على الأرض، وانكمش في جلسته كما لو كان يريد أن يُخفي نفسه.
كمال بنبرة هادئة: “كيف كان أسبوعك يا سعيد؟”
سعيد بصوت خافت دون أن يرفع رأسه: “عادي… نفس الشيء.”
كمال: “هل كانت الأصوات موجودة؟”
التفت سعيد إليه فجأة، كأن كلمة “الأصوات” أثارت فيه شيئًا عنيفًا. عادت عيناه إلى الأرض ثم قال:
“أنت تتحدث عنها وكأنها أمر طبيعي… لكنها ليست كذلك.”
كمال بمهنية: “هي جزء مما نشعر به أحيانًا يا سعيد، حتى لو كانت تزعجنا. هل يمكن أن تخبرني أكثر عن هذه الأصوات اليوم؟”
سعيد يهمس: “إنهم أقوى. لم يعودوا مجرد أصوات… أشعر بهم حولي. أحدهم كان يجلس بجانبي في الحافلة اليوم. لم يتحرك، لم يتحدث… لكنه كان هناك.”
كمال: “وكيف عرفت أنه ليس مجرد راكب عادي؟”
سعيد رفع عينيه إليه ببطء: “لأنه كان أنا… بملامحي وصوتي.”
كمال، الذي عايش الكثير من الحالات المعقدة، ظل هادئًا. لكنه دوّن ملاحظة جديدة.
كمال: “سعيد، هل تشعر أحيانًا أنك ترى نفسك من بعيد؟ كأنك شخص آخر؟”
سعيد بنبرة حادة: “كأنني أراقب نفسي، نعم. أحيانًا أجدني أفعل أشياء لم أقرر فعلها. أتكلم بطريقة غريبة. في الليل، أستيقظ وأجد رسائل مكتوبة بخط يدي… لكنني لا أتذكر أنني كتبتها.”
كمال بصوت أكثر حنانًا: “هل تشعر أن هؤلاء الأصوات أو النسخ منك يحاولون قول شيء لك؟”
سعيد يرتجف: “نعم. يقولون إنني السبب. إنني مذنب.”
كمال: “مذنب بماذا يا سعيد؟”
تسمرت ملامح سعيد للحظة، ثم فجأة وقف بعنف، ودفع المقعد إلى الوراء.
سعيد بصوت مرتفع: “لا تسألني هذا السؤال!”
لكن كمال لم يحرّك ساكنًا. ظل هادئًا، مراقبًا انفجاره.
كمال بعد فترة من الصمت: “هل تعتقد أن الحديث عمّا حدث سيجعلهم يصمتون؟”
سعيد، الذي بدت عليه آثار الانهيار، جلس على الأرض، ودفن وجهه في كفيه.
سعيد بصوت مختنق: “كانت أختي الصغيرة… كنتُ مسؤولاً عنها. تركتها وحدها في البيت… حريق صغير أصبح كابوسًا. لم أستطع إنقاذها.”
ساد الصمت. لم يكن هناك سوى صوت أنين مكتوم. كمال شعر بثقل اعتراف سعيد، وأدرك أن الأصوات والنسخ التي “يراها” ليست سوى صرخات الذنب داخله.
كمال بصوت دافئ: “هل كان عمرك حينها ١٥ سنة؟”
أومأ سعيد برأسه دون أن يتكلم.
كمال: “كنت طفلاً يا سعيد. طفلاً يحاول أن يفعل ما بوسعه.”
سعيد صارخًا: “لا تقول هذا! أمي لم تغفر لي. أنا لم أسامح نفسي!”
كمال مقاطعًا بلطف: “وما زلت تحملها إلى الآن. تلك الأصوات ليست سوى صدى الذنب الذي أكل داخلك لسنوات.”
رفع سعيد رأسه إليه ببطء. كانت عينيه مليئتين بالدموع، كأن شيئًا بداخله بدأ ينهار.
في الجلسات التالية، بدأ سعيد يتحدث أكثر. تدريجيًا، توقفت الأصوات عن السيطرة عليه. من خلال العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، بدأ يواجه ذكرياته المؤلمة ويعيد تعريفها.
في إحدى الجلسات، جاء سعيد بملابس نظيفة، عينيه أكثر هدوءًا.
كمال: “كيف كانت ليلتك؟”
سعيد بابتسامة خفيفة: “نمت للمرة الأولى دونهم. لم يتحدثوا إليّ.”
كمال: “وماذا كنت تقول لهم لو عادوا؟”
سعيد بهدوء: “سأقول… لقد فعلت ما بوسعي. أريد أن أعيش الآن.”
بعد عام، جلس كمال في مكتبه يراجع ملفات قديمة. توقف عند ملف سعيد. كان التقرير الأخير يقول: “تحسن كبير، قادر على مواجهة الذنب، والأصوات اختفت تقريبًا.”
ابتسم كمال وهو ينظر إلى الصورة على مكتبه. همس لنفسه:
“كلنا نحتاج من يسمعنا في الظلام.”
وفي خارج العيادة، كان سعيد يسير بخطى ثابتة نحو حياة جديدة.