لحظتي مكتبة د. محمود عبد العال القصصية
السر الذي يسكننا

المنزل رقم 19

القصة 2 من 6 في هذه المجموعة

ألقت شمس الظهيرة بظلالها الطويلة على شارع الضواحي الهادئ بينما وقفت ليلى أمام البوابة الحديدية للمنزل رقم 19. كان هذا أول يوم لها في الحي الجديد، بداية تسعى من خلالها للهرب من ذكريات علاقة انتهت بمرارة ومن فقدان وظيفتها. بدا المنزل أمامها كأنه يحتضن سنوات من الأسرار؛ جدرانه البيضاء المتشققة مغطاة بلبلاب كثيف، وواجهته المهيبة تحمل في طياتها ماضياً مجهولاً.

عندما فتحت البوابة، تردد صريرها في الأرجاء وكأنه يفتح أبواب ذكريات قديمة، وليس مجرد مدخل. خطت ليلى إلى الداخل، وقد شعرت بسحب غامض يحيط بها، كما لو أن المنزل يراقبها بنفس القدر الذي تراقبه هي.

في الداخل، كان المنزل أكبر مما يبدو. صرير الأرضيات الخشبية تحت قدميها أضاف طابعاً من الغموض، بينما امتزجت رائحة الخزامى الخافتة برائحة ترابية قديمة، كما لو أن جدران المنزل نفسها تحتفظ بأنفاس ساكنيه السابقين. وضعت ليلى حقائبها في غرفة المعيشة، وبدأت تتجول بعينيها في تفاصيل المكان: مرآة عتيقة معلقة على الجدار، أثاث مغبر، وصور باهتة لوجوه غريبة.

بينما كانت تطل من نافذة المطبخ، لفت نظرها مشهد الحديقة المهجورة. وسط الأعشاب اليابسة والفوضى، كانت زهرة حمراء تتفتح بجمال لا ينسجم مع محيطها. شعرت وكأنها ترى انعكاساً لحياتها، نبتة وحيدة تصارع الفوضى لتبقى صامدة.

في ليلتها الثانية في المنزل، وبينما كانت تتفحص الدراسة، لاحظت ليلى درجا صغيراً مغلقاً. عبثت قليلاً حتى وجدت مفتاحاً مدسوساً خلف ساعة قديمة. فتحته لتجد كومة من الرسائل المربوطة بشريط حريري. كانت الرسائل موجهة إلى امرأة تدعى سعاد، كتبها رجل وقع اسمه بإلياس. في كل رسالة، كان خط اليد الأنيق يعبر عن شوق عميق وندم وحب لم يكتمل.

شعرت ليلى وكأنها تقرأ قصتها الخاصة؛ تلك الكلمات الحزينة عكست أوجاعها الأخيرة. تساءلت عن هذا -إلياس- وعن حكايته مع -سعاد-، وبدأت تبحث عن إجابات.

مع مرور الأيام، بدأت تلاحظ أموراً غريبة. كانت المرآة العتيقة في الردهة تتلألأ بخفوت غريب ليلاً. في البداية تجاهلت الأمر، لكنها في إحدى الليالي رأت ظلاً يتحرك خلف انعكاسها.

-من هناك؟- همست، ويدها ترتجف.

بدا وكأن الهمسات تأتي من المرآة ذاتها: -سعاد…-.

ارتعش قلب ليلى. شعرت وكأنها عالقة بين الماضي والحاضر، بين الحلم والواقع. عاقدة العزم على كشف سر المنزل، بدأت تبحث في تاريخ المنزل رقم 19. زارت المكتبة واكتشفت أنه كان ملكاً لفنان يدعى إلياس، عاش فيه منذ عقود. كان إلياس مغرماً بسعاد، لكنها كانت مخطوبة لرجل آخر. بعد وفاة سعاد المفاجئة في حادث مأساوي، انعزل إلياس وصب حزنه في فنه، قبل أن يختفي دون أثر.

ذات ليلة، وقفت ليلى أمام المرآة حاملة إحدى رسومات إلياس غير المكتملة لسعاد. -ماذا تريد مني؟- همست.

تلألأت المرآة للحظة، وظهرت فيها صورة لإلياس، يمد يده نحوها قائلاً: -أخبرها… كانت كل شيء بالنسبة لي.-

في الصباح التالي، أخذت ليلى الرسائل والرسومات إلى المتحف المحلي لتكريم قصة إلياس وسعاد، لضمان أن حبهما المنسي لن يظل طي الكتمان. شعرت بعد ذلك بخفة داخلية، وكأن عبئاً كبيراً قد زال.

عندما عادت إلى المنزل، بدت الأجواء مختلفة. لم يعد المنزل مليئاً بالظلال المقلقة، بل شعرت بدفء وسلام لم تعرفه منذ سنوات. وقفت أمام الزهرة الحمراء في الحديقة، التي كانت الآن أكثر إشراقاً من أي وقت مضى، وابتسمت. المنزل لم يكن مجرد مكان للعيش فيه؛ لقد كان مرشداً، أضاء لها طريقاً جديداً وسط عتمة حياتها.

بعد أشهر، بدأت ليلى في الرسم مرة أخرى، مستوحية قصتها وقصة إلياس وسعاد. نالت أعمالها إعجاب الكثيرين، لكنها لم تخبر أحداً عن الهمسات أو المرآة أو أسرار المنزل رقم 19. فهمت أن بعض القصص ليست لتروى، بل لتُشعر.