عطر الأرض
“الأرض تحفظ الذكريات مهما رحلنا.”
في صباحٍ رمادي، عادت -ليان- إلى مزرعة العائلة بعد سنواتٍ من العيش في المدينة. كانت الأرض قديمة، تمتد بصفوفٍ من أشجار الزيتون التي غرستها أجيال مضت، لكنها بدت مهجورة الآن، وكأنها تنتظر لمسةً تعيد الحياة إليها.
وقفت ليان عند بوابة المزرعة، تستنشق الهواء المشبع برائحة الطين والرطوبة. تذكرت يدَي جدّها المتشققتين وهما تعتنيان بالشجر، وتذكرت قصته التي كان يكررها دائمًا: -الأرض تحفظ العطر. مهما رحلتِ عنها، ستعودين لتجديها تحمل ذكرياتك.-
دخلت المزرعة بخطواتٍ مترددة. الأرض كانت صامتة، لكن ليان شعرت وكأنها تسمع همسًا خافتًا ينبعث من الأشجار: -أين كنتِ كل هذه السنين؟-
جلست تحت شجرة زيتون كبيرة، ووضعت يدها على جذعها. شعرت بالخشب الدافئ تحت أصابعها، كأنه ينبض بحياةٍ خفية. أغمضت عينيها، وبدأت تتذكر طفولتها بين هذه الحقول، حين كانت تجري حافيةً، تضحك بلا هم.
قالت بصوتٍ مبحوح: -هل يمكن للأرض أن تغفر لي رحيلي؟-
جاءها الجواب من الرياح التي هبت فجأة: -الأرض لا تحاسب، بل تعطي. كلما عدتِ، ستجدينها كما تركتها، تنتظرك.-
قامت ليان، وبدأت بيدَيها تحرث الأرض. لم تكن بحاجة إلى أدواتٍ حديثة، فقط إلى إيمانها بأن هذا المكان هو جذورها.
حين غابت الشمس، كانت يداها متسختين، لكنها شعرت لأول مرة منذ سنوات بأن روحها نظيفة. أدركت أن الوطن ليس فقط مكانًا تعود إليه، بل هو الأرض التي تمنحك معنى عندما تضيع.