لحظتي مكتبة د. محمود عبد العال القصصية
حُضن وطن

الغريب

القصة 7 من 8 في هذه المجموعة

“الغربة ليست بالمكان بل في نظرتك لنفسك.”

في محطة قطارٍ مهجورة، جلس -أيمن- على مقعد خشبي متهالك، يحمل حقيبةً صغيرة بها كل ما يملك. كان يحدق في القضبان التي تمتد إلى الأفق، كأنها خطوطٌ ترسم طريقًا لمستقبلٍ مجهول.

كان قد ترك مدينته منذ سنوات، هاربًا من ذكرياتٍ ثقيلة، ومن ماضٍ شعر أنه لا يليق به. لكنه اليوم عاد، محاولًا أن يجد إجابةً لسؤال لطالما طارده: -هل يمكن أن يظل الغريب غريبًا في وطنه؟-

بينما كان غارقًا في أفكاره، اقترب منه رجل مسنّ، وجهه مجعّد كالأرض التي شهدت أزمانًا عديدة. جلس بجانبه بصمت، ثم قال بصوتٍ هادئ: -أرى في عينيك ثقل الرحيل، لكنه لا ينتمي إلى هذا المكان.-

تفاجأ أيمن بالسؤال: -وكيف عرفت؟-

ابتسم الرجل وأجاب: -من يحمل وطنه في قلبه لا يمكن أن يكون غريبًا. الغربة ليست في المكان، بل في الطريقة التي تنظر بها إلى نفسك.-

تأمل أيمن القضبان، وقال: -لكنني أشعر أنني لا أنتمي. كأنني فقدت صلتي بهذا المكان.-

رد الرجل: -الوطن ليس مكانًا يستقبلك فقط. إنه ظلّك الذي يرافقك، حتى لو لم تره. ابحث عن هذا الظل في داخلك، وستجد أن الوطن كان معك طوال الوقت.-

عندما رحل الرجل، أدرك أيمن أن العودة ليست إلى الأرض، بل إلى النفس. قام، حمل حقيبته، وسار نحو المدينة. لم تعد القضبان تمتد إلى المجهول، بل إلى حيث ينبض قلبه: حضن وطنه الحقيقي.