ملامح متكسّرة
“أكبر معركة يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع مرآةٍ تُظهر له ملامح نفسه التي رفضها طويلاً.”
في عيادة هادئة تغرق في سكون ثقيل، جلس الدكتور مروان، الأخصائي النفسي المعروف بهدوئه وحِدّة ملاحظاته. أمامه كانت تجلس ياسمين، فتاة في الثلاثين من عمرها. نظراتها شاردة نحو نافذة صغيرة تتسلل منها خيوط الشمس الخفيفة، لكن ملامحها كانت أقرب إلى لوحة محطمة.
مروان وهو يدون ملاحظة:
“هل نبدأ اليوم يا ياسمين؟”
ياسمين بصوت منخفض يكاد لا يُسمع:
“هل تعتقد أنني مريضة؟”
مروان بابتسامة خفيفة:
“أنا هنا لأفهمك، وليس لأحكم عليك.”
ياسمين وهي تُحدق في الأرض:
“لا أحد يفهمني… ولا حتى نفسي.”
مروان وهو يحاول استدراجها برفق:
“هل تحدثنا عن اليوم الذي بدأ فيه كل شيء؟”
أغلقت ياسمين عينيها، ثم زفرت ببطء:
“كان عمري 16 عامًا. كنت أستيقظ كل ليلة على أصوات… ليست أصواتًا حقيقية، بل أصواتًا داخل رأسي. همسات تقول: أنتِ قبيحة، أنتِ بلا قيمة.”
مروان بنبرة متفهمة:
“هل كانت تلك الأصوات مرتبطة بشيء حدث؟”
ياسمين بعد صمت طويل:
“أبي كان يقول لي دائمًا إنني لست جميلة كأختي. أمي كانت صامتة… صمتها كان أشد إيلامًا من كلماته.”
مروان: “إذن… تلك الأصوات ليست سوى انعكاس لصورة ترسخت بداخلكِ منذ الصغر. هل تعتقدين أن كلماتهم كانت حقيقية؟”
نظرت ياسمين إليه أخيرًا، بنظرة امتزج فيها الغضب بالحزن:
“أنت لا تفهم! عندما تسمع شيئًا بما يكفي، تبدأ في تصديقه.”
في جلسة لاحقة، كانت ياسمين أكثر اضطرابًا. جلست على المقعد وهي تُحرك ساقيها بعصبية.
مروان: “ياسمين، أخبريني عن المرآة.”
ياسمين بارتباك مفاجئ:
“لماذا تسأل عن المرآة؟”
مروان وهو يراقب تعابير وجهها:
“أخبرتِني أنكِ توقفتِ عن النظر إلى المرآة منذ سنوات. لماذا؟”
اشتدت قبضتها حول معطفها، ثم قالت:
“لأنني لا أرى نفسي فيها… أرى شيئًا آخر. أرى ملامح مشوهة، مكسّرة.”
مروان: “هل هو انعكاس أم مجرد شعور داخلي؟”
صرخت فجأة:
“كلاهما! أنا أكرهني… أنا أكره كل شيء فيّ!”
تجمّد الهواء في الغرفة. بقي مروان هادئًا رغم الانفجار. بعد دقائق من الصمت، قال بلطف:
“ياسمين، ما ترينه ليس وجهك الحقيقي… بل تراكم سنوات من الألم. لكن السؤال: لماذا تُعاقبين نفسك على شيء لم تختاريه؟”
في الجلسة التالية، أحضر مروان مرآة صغيرة ووضعها على الطاولة. نظرت إليها ياسمين برعب.
ياسمين: “لا! لا أستطيع.”
مروان بهدوء:
“لن أجبرك. لكن أريدك أن تقتربي من نفسك، أن تتعرفي عليها. هل تجرّبين معي تمرينًا بسيطًا؟”
هزت رأسها، فتناول مروان المرآة وأدارها ليجعل سطحها معكوسًا لا يظهر شيئًا.
مروان: “أريدك أن تتخيلي أن المرآة لا تعكس الملامح. إنها تُظهر شيئًا أعمق… مَن هي ياسمين الحقيقية؟”
أغلقت ياسمين عينيها وقالت بصوت متردد:
“إنها فتاة صغيرة… كانت تحب الرسم. كانت تحلم أن تكون فنانة.”
مروان: “لماذا توقفت؟”
ياسمين بعينين مغرورقتين:
“لأنني صدّقت أنني بلا قيمة… بلا ملامح.”
في الجلسات التالية، بدأ مروان يُشجّع ياسمين على ممارسة الرسم مجددًا. طلب منها أن ترسم كل ما تشعر به. في إحدى الجلسات، أحضرت لوحة لها.
وضع مروان اللوحة على مكتبه وتأمّلها بإعجاب. كانت مزيجًا من الألوان الداكنة والفاتحة، شجرة لها جذور ملتوية لكن أغصانها متجهة نحو السماء.
مروان: “ما معنى هذه الشجرة يا ياسمين؟”
ياسمين بابتسامة خفيفة للمرة الأولى:
“هي أنا. جذوري مثقلة بالماضي، لكنها لم تمنعني من محاولة النمو.”
بعد أشهر من العلاج، جلست ياسمين أمام مروان في جلسة الوداع. كانت ترتدي ثوبًا فاتح اللون، وابتسامتها كانت واضحة.
مروان: “كيف تشعرين اليوم؟”
ياسمين بثقة:
“لأول مرة… أنظر في المرآة وأرى شخصًا يستحق الحياة.”
ابتسم مروان وهو يكتب ملاحظته الأخيرة:
“ياسمين استطاعت إعادة بناء صورتها الداخلية. الألم كان عميقًا، لكن الرغبة في الشفاء كانت أعمق.”
غادرت ياسمين العيادة وهي تحمل لوحة جديدة. كانت هذه المرة مليئة بالألوان الزاهية، شمس مشرقة فوق بحر هادئ.