لحظتي مكتبة د. محمود عبد العال القصصية
من حكايات الوداع الأخير!

رسالة غير متوقعة

القصة 4 من 6 في هذه المجموعة

في صباح رمادي، وقفت عائلة -يحيى- حول طاولة المطبخ. كان الجميع في حالة من الصمت الثقيل بعد أيام من جنازته. -يحيى-، الأب الذي كان دائمًا رمز الصلابة والحكمة، لم يترك وراءه سوى ذكريات، أو هذا ما ظنوه.

بينما كانت زوجته -مريم- تنظف مكتبه، وجدت مغلفًا أبيض صغيرًا مكتوبًا عليه: -إلى عائلتي.- شعرت بنبضات قلبها تتسارع وهي تمسك بالمغلف، ثم نادت بصوت مرتعش على أبنائها.

اجتمع الجميع حول الطاولة، وفتح الابن الأكبر المغلف بيدين مرتجفتين. كانت الرسالة مكتوبة بخط يحيى المميز:

 إلى عائلتي الحبيبة،

إذا كنتم تقرؤون هذه الرسالة، فهذا يعني أن وقتي قد حان، وأنني لم أعد بجانبكم كما كنت دائمًا. لا تحزنوا علي، بل احتفلوا بالحياة التي عشتها معكم. لدي طلب بسيط، لكنه يتطلب منكم أن تتعاونوا كعائلة واحدة لتحقيقه.

لقد كنت أحلم دائمًا برؤية المكان الذي وُلدت فيه. إنه قرية صغيرة على أطراف الجبال، حيث قضيت طفولتي. لم أتمكن من العودة إليها بسبب الحياة ومسؤولياتي. أريد منكم أن تذهبوا إلى هناك معًا، وأن تحملوا الذكريات التي تركتها هناك. ستجدون عنوان المكان في مظروف آخر داخل مكتبي.

أرجو أن تفعلوا هذا من أجلي، ليس فقط لتعرفوا جزءًا من حياتي الذي لم أتحدث عنه كثيرًا، ولكن لتعرفوا أنكم دائمًا جزء مني، تمامًا كما كنت جزءًا منكم.

أحبكم جميعًا.

والدكم، يحيى.-

ساد الصمت بعد قراءة الرسالة. كانت عيونهم مليئة بالدموع، لكن شعورًا بالدفء تسلل إلى قلوبهم. لقد ترك لهم والدهم مهمة أخيرة، مهمة تجمعهم بطريقة لم يتوقعوها.

بعد أسبوع، كانت العائلة تقف على أطراف القرية الصغيرة، تشاهد الجبال التي وصفها يحيى في رسالته. زاروا منزله القديم، التقوا ببعض الجيران الذين ما زالوا يتذكرونه كطفل صغير. شعروا وكأنهم يعيشون جزءًا من ماضيه، وكأنهم أعادوا إليه شيئًا كان قد فقده.

في تلك الرحلة، أدركوا أن الرسالة لم تكن فقط عن تحقيق حلم والدهم، بل كانت عن إعادة اكتشاف أنفسهم كعائلة. عادوا إلى مدينتهم وهم أقرب إلى بعضهم البعض، يحملون في قلوبهم ذكرى والدهم، وحلمه الذي أصبح حقيقة بفضلهم.