لحظتي مكتبة د. محمود عبد العال القصصية
من حكايات الوداع الأخير!

زيارة الصديق الأخير

القصة 5 من 6 في هذه المجموعة

في غرفة مستشفى بسيطة، جلس -حسين- على سريره، يتأمل السماء الرمادية من النافذة المفتوحة. كان يعلم أن هذه الأيام هي آخر ما تبقى له، وكان راضيًا، أو هكذا حاول أن يظهر لعائلته. زوجته وأبناؤه كانوا يجلسون حوله، وجوههم مثقلة بالحزن، يتبادلون نظرات صامتة مليئة بالخوف مما هو قادم.

لكن حسين كان شاردًا، وكأن شيئًا آخر يشغله. فجأة، قال بصوت خافت: -أين خالد؟-

تبادلت الأسرة نظرات حائرة. سأل الابن الأكبر: -من خالد، أبي؟-

رد حسين بابتسامة ضعيفة: -صديقي القديم… صديق الطفولة. لم أره منذ أربعين عامًا.-

كانت كلمات حسين غريبة على الأسرة. لم يذكر هذا الصديق من قبل، ولم يكن أي منهم يعرف من هو. لكن الزوجة، التي تعرفه أكثر من أي أحد، قرأت في عينيه أنه بحاجة لرؤيته.

بدأ البحث عن -خالد-. بعد ساعات من المكالمات والبحث، وجد الابن الأوسط رقم هاتف لرجل يدعى خالد يعيش في المدينة المجاورة. اتصل به، وأخبره برغبة حسين في رؤيته.

وصل خالد في اليوم التالي. كان رجلًا في السبعين من عمره، وجهه يحمل ملامح الزمن، لكنه لم يفقد بريق الشباب في عينيه. عندما دخل الغرفة، ارتسمت على وجه حسين ابتسامة لم يرها أبناؤه منذ وقت طويل.

قال حسين بصوت ضعيف: -خالد، أخيرًا جئت.-

اقترب خالد وجلس بجواره، ممسكًا بيده. -كيف يمكن ألا أجيء؟ كنت أعتقد أنك نسيتني.-

رد حسين بابتسامة مليئة بالشجن: -كيف أنساك؟ كنت أكثر من أخ لي. الحياة أخذتنا في اتجاهات مختلفة، لكنك بقيت دائمًا في قلبي.-

ساد الصمت للحظات، ثم قال خالد: -لماذا طلبت رؤيتي الآن؟-

نظر حسين إلى أبنائه وزوجته، ثم عاد بنظره إلى خالد وقال: -لأقول لك شكرًا… شكرًا لأنك كنت دائمًا معي، حتى عندما لم تكن بجانبي. أريدك أن تعرف أنك كنت جزءًا من أفضل أيام حياتي.-

امتلأت عينا خالد بالدموع، وأمسك بيد صديقه بقوة. -وأنت كنت الأخ الذي لم أنجبه. أنا هنا، كما كنت دائمًا.-

راقبت الأسرة المشهد بصمت. كان هذا اللقاء مليئًا بالحنين، وكأنه فصل مفقود من حياة والدهم انفتح أمامهم فجأة.

بعد يومين، رحل حسين بهدوء. لكن عائلته شعرت أنهم عرفوه بطريقة جديدة من خلال خالد، الذي أصبح جزءًا من حياتهم بعد ذلك.

لقد كان هذا اللقاء الأخير ليس فقط وداعًا، بل احتفالًا بالصداقة التي تتجاوز الزمن، وتجعل الحياة أكثر جمالًا، حتى في لحظاتها الأخيرة.