مصالحة مع الذات
في غرفة متواضعة في بيت قديم وسط حي هادئ، كانت -صفية-، الأم والجدة، مستلقية على سريرها، وقد أرهقها الزمن ولم يبق لها سوى ساعات قليلة. بجانبها جلست ابنتها الكبرى -ريم-، تمسك بيد والدتها بحنان، بينما أحفادها الثلاثة يجلسون في الجهة الأخرى، يحاولون كتمان دموعهم.
كانت صفية تنظر إلى السقف وكأنها تبحث عن شيء لا يستطيع أحد رؤيته. فجأة، قالت بصوت ضعيف: -ريم، هل تذكرين الحقيبة القديمة التي احتفظت بها دائمًا في الخزانة؟-
ردت ريم بصوت مبحوح: -نعم يا أمي، تلك التي لم تسمحي لأحد بفتحها.-
ابتسمت صفية ابتسامة باهتة وقالت: -افتحيها الآن… أريدكم أن تروا شيئًا.-
نهضت ريم بتردد، وذهبت إلى الخزانة لتخرج الحقيبة. كانت مغطاة بالغبار، وعندما فتحتها، وجدت داخلها كومة من الرسائل والمذكرات الصغيرة، مع صور قديمة.
قالت صفية بصوت متهدج: -هذه حياتي التي لم أكن أجرؤ على مشاركتها مع أحد. كنت أكتب كل أحلامي وأوجاعي في هذه الأوراق، كل ما لم أتمكن من قوله أو تحقيقه.-
أخذت ريم إحدى الرسائل وبدأت تقرأ بصوت عالٍ. كانت الرسالة تقول:
–لطالما حلمت بأن أتعلم الموسيقى، لكنني تخليت عن ذلك من أجلكم. أردت أن أكون أمًا مثالية، لكنني دائمًا شعرت أنني لم أكن كافية.–
سقطت دمعة من عيني ريم، وقالت: -أمي، لقد كنت أكثر من كافية. ضحيتِ بكل شيء من أجلنا، لم نكن لنعرف هذا الجانب منك.-
أضافت صفية بصوت متقطع: -لم أكن أكتب لأجعلكم تشعرون بالذنب. كنت أكتب لأحافظ على نفسي، لأتذكر أنني كنت شيئًا قبل أن أصبح أمكم. أردت فقط أن أخبركم أن الأحلام التي لم تتحقق ليست نهاية الحياة.-
صمتت الغرفة للحظات، ثم تابعت صفية: -أريدكم أن تعدوني بشيء واحد: ألا تتركوا أحلامكم. لا تجعلوا الحياة تسلبكم ما أحببتم، كما حدث معي.-
بكى الأحفاد وهم يهزون رؤوسهم بالإيجاب، وقالت ريم: -نعدك يا أمي. سنتذكر دائمًا كلماتك وسنعيش كما أردتِ أن نعيش.-
ابتسمت صفية للمرة الأخيرة، وأغمضت عينيها بسلام. بعد وفاتها، أصبحت مذكراتها مرجعًا عاطفيًا للعائلة. كلما شعروا بالضياع، عادوا إلى كلماتها التي تحمل حكمة عميقة عن المصالحة مع الذات، عن التسامح مع ما لم يُنجز، والعيش بحب لما يمكن تحقيقه.