لحظتي مكتبة د. محمود عبد العال القصصية
أقنعة متناثرة

وجه الظل

القصة 2 من 5 في هذه المجموعة

كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا عندما استفاقت المدينة على صدمة جريمة مروعة. وُجدت جثة شاب في أواخر العشرينيات مشوهة بطريقة بشعة في إحدى الأزقة المهجورة. كان الضحية مربوطًا على كرسي خشبي، ويداه مغطاتان بالدماء التي تناثرت حوله كلوحة سريالية مرعبة. ترك القاتل خلفه رسالة مكتوبة بخط غير مستقر على الجدار: “العدالة لا تأتي إلا بالدماء.”

في صباح اليوم التالي، كان المحقق “آدم مراد” يقف أمام موقع الجريمة، مرتديًا بدلته السوداء المعتادة ونظراته الثاقبة.

كان آدم معروفًا بنزاهته وبراعته في حل القضايا المعقدة، وغالبًا ما كان يُظهر تعاطفًا عميقًا مع الضحايا، كأنما كان يحمل آلامهم على عاتقه.

مع تقدمه في التحقيق، بدأت الأدلة تكشف نمطًا غريبًا. كانت هناك تفاصيل دقيقة في الجريمة تُظهر معرفة القاتل بأمور شخصية عن الضحية. كأنما كان يعرفه عن قرب. وعندما وصل إلى معاينة الرسالة على الجدار، شعر بوخزة غريبة في داخله، وكأن الكلمات تحاول أن تخاطبه هو لا أحد غيره.

في تلك الليلة، عاد آدم إلى شقته الصغيرة التي تسودها الكآبة. كان دائمًا ما يعيش وحيدًا، حيث تركته زوجته قبل سنوات بسبب مزاجه المتقلب وسلوكه الغريب الذي لم تستطع تفسيره. وبينما كان يتأمل ملاحظاته، شعر بصداع عنيف أجبره على إغماض عينيه.

استفاق آدم في اليوم التالي ليجد يديه مغطاة بالدماء. شعر برعب شديد وهو يتفقد جسده بحثًا عن أي إصابة، لكنه كان سليمًا. وجد على الطاولة أمامه سكينًا صغيرة ملطخة بالدم، ولم يتذكر شيئًا مما حدث في الليلة السابقة.

بدأت الحوادث تتكرر. مع كل جريمة جديدة، كان آدم يشعر وكأن القاتل يترك له رسائل مشفرة، رسائل لا يفهمها سوى هو. بدأت شكوكه تتزايد؛ هل من الممكن أن يكون للقاتل علاقة به؟ أم أنه مجرد شخص يلعب بعقله؟

ذات ليلة، وبينما كان يحاول الربط بين الأدلة في مكتبه، سمع صوتًا خافتًا خلفه. كان الصوت يشبه صدى أفكاره، لكنه لم يكن صوتًا خارجيًا، بل كان ينبع من داخله. قال الصوت: “لن تهرب من حقيقتك، آدم.”

أخذته التحقيقات إلى أزقة المدينة المظلمة وأقبية مهجورة مليئة بالذكريات المؤلمة. مع كل خطوة، بدأ يتذكر تفاصيل غامضة من ماضيه. عندما كان طفلاً، عاش آدم حياة قاسية مليئة بالإهمال والعنف من والده الذي كان يعتقد أن “العدل” لا يتحقق إلا بالقسوة.

بدأ آدم يكتشف أنه كان يعاني من انشقاق نفسي عميق؛ شخصيته الثانية، القاتل المتسلسل، كانت تُجسد كل الغضب والظلم الذي تعرض له في طفولته. لكنه لم يكن مدركًا لهذا الواقع إلا في لحظات قصيرة من الوضوح.

في إحدى الليالي، وجد نفسه في مرآب مهجور، يحمل سكينًا ويقف أمام ضحية جديدة. لكن هذه المرة، وقبل فوات الأوان. أسقط السكين من يده وسقط على ركبتيه، متوسلًا الرحمة من نفسه.

قرر آدم أن يسلّم نفسه، لكنه شعر برغبة غريبة في التحدث إلى شخص ما قبل أن يفعل ذلك. زار طبيبًا نفسيًا كان قد ساعده سابقًا في قضايا مشابهة. بينما كان يجلس في غرفة الطبيب، أدرك أن الطبيب نفسه كان يدير سلسلة من التجارب السرية على مرضى يعانون من اضطرابات نفسية، وكان آدم مجرد تجربة أخرى.

اكتشف أن طبيبه كان يستخدم عقاقير معينة لتحفيز شخصية “القاتل” داخله، محولًا إياه إلى أداة لتنفيذ جرائم انتقامية ضد أشخاص كان يعتبرهم “مجرمين يستحقون العقاب”.

في النهاية، يواجه آدم طبيبه في مواجهة محتدمة، حيث يدرك أن عدالته المشوهة قد تم التلاعب بها. في لحظة مفاجئة، ينقلب الأمر على الطبيب ويصبح الضحية الأخيرة للقاتل الذي خلقه.

جلس آدم على سريره المعدني داخل الزنزانة، يقلب بين يديه دفترًا صغيرًا بصفحات متهالكة، وكأن كل حرف فيها يحمل ثقل العالم. كانت الغرفة باردة، والجدران الخرسانية تحاصر أنفاسه، لكن عينيه كانتا مشتعلتين بشيء أعمق من الحياة نفسها: الرضا.

بدأ يكتب بهدوء، يخط تفاصيل قصته بيد ثابتة. كل كلمة كان قلمه يكتبها كأنها تقتطع من روحه. لم يكن يكتب ليبرر أو يعتذر، بل ليكشف حقيقة لم يستطع أحد رؤيتها من قبل. كل خطوة، كل قرار، كل ضحية… كلها كانت جزءًا من لوحة أكبر، لوحة العدل الذي لم يكن العالم مستعدًا له.

توقف للحظة، ينظر إلى الكاميرا المثبتة في زاوية السقف. كانت تراقبه بصمت كأنها شاهدة صماء على قصته. رفع رأسه، وابتسم ابتسامة صغيرة ولكنها عميقة، مليئة بالمعاني.

قال بصوت هادئ ولكنه يحمل صدى:

“في عالمٍ حيث يُطمَس الحق بالظلم، لا يوجد قاتل ولا محقق… بل عدالة مشوهة”

وفي تلك اللحظة، انطفأت الأنوار. غرق المكان في ظلام دامس، وكأن الزنزانة اختفت وأصبحت جزءًا من المدينة التي انتظرته. مدينة بأضواء مطفأة، ونفوس مشتعلة بالخوف. لم تكن تنتظر الخلاص، بل الجريمة القادمة…