لحظتي مكتبة د. محمود عبد العال القصصية
تفاصيل بين السطور

غرفة الصمت

القصة 1 من 1 في هذه المجموعة

“إن أشد الأصوات صخبًا ليست تلك التي نسمعها من حولنا… بل تلك التي تنفجر داخلنا في صمت.”

في غرفة هادئة أُضيئت بنور خافت صادر من مصباح أرضي، جلس الدكتور سامر أمام مكتبه، وهو يراجع ملاحظات حالة اليوم. كانت الساعة تشير إلى الثالثة عصراً، موعد جلسته الثالثة لهذا الأسبوع مع “ليلى”، الحالة التي لم يستطع بعد فك ألغازها.

الطرق على الباب كان خافتًا. رفع سامر نظره وقال بنبرة هادئة:

“تفضلي.”

دخلت ليلى بخطوات بطيئة، ترتدي معطفًا رماديًا فضفاضًا يُخفي جسدها تمامًا. جلست في المقعد المقابل له، ولم تقل شيئًا. كان وجهها شاحبًا، وعيناها مطفأتين كأنهما تسبحان في ظلام دامس.

سامر: “كيف حالك اليوم يا ليلى؟”

ليلى بصوت متردد: “مثل البارحة… لا جديد.”

كانت نبرة صوتها مشبعة بالخوف والكآبة. سامر لاحظ أنها لا تنظر في عينيه أبدًا، وأن أصابعها تعبث بلانهاية بخيوط معطفها.

سامر: “لماذا جئتِ اليوم إذن؟”

رفعت رأسها قليلاً، حدّقت في الحائط وقالت:

“لأنني لا أستطيع الهروب من هذا المكان. أنت تعرف ذلك.”

سامر بهدوء: “الهروب؟ تقصدين من هذه الغرفة أم من نفسك؟”

ليلى تردّد للحظة، ثم همست: “منهما معًا.”

سامر فتح دفتر ملاحظاته وبدأ يسجّل شيئًا:

“ليلى، هل تودين الحديث عن الليلة الماضية؟ قلتِ الأسبوع الماضي إنك ترين أحلامًا غريبة. هل تكررت الليلة؟”

صمت طويل. أصوات دقات الساعة على الجدار كانت واضحة بشكل مؤلم. ليلى شدّت أصابعها بقوة، ثم قالت:

“الأحلام لا تتكرر… لكنها تُعيد نفس الشعور.”

سامر: “وما هو الشعور؟”

ليلى بصوت مهزوز: “كأنني طفلة في مكان مهجور… هناك ظلال تطاردني، أصرخ، لكن لا أحد يسمعني.”

توقّف سامر عن الكتابة وحدّق فيها بدقة:

“متى بدأتِ ترين هذه الأحلام؟”

ليلى بتنهيدة: “منذ كان عمري ثمانية سنوات. يومها كنت وحدي في الغرفة… أبي أقفل الباب عليّ كعقاب.”

لمعت عينا سامر لثوانٍ. عرف أنه قد اقترب خطوة من الحقيقة.

سامر بصوت حنون: “هل تودين الحديث عن ذلك اليوم؟”

ليلى بنبرة حادة: “لم يكن شيئًا! مجرد يوم آخر أُغلقت فيه الأبواب.”

سامر بعد صمت طويل: “الأبواب ليست مجرد خشب وحديد، أليس كذلك؟”

نظرت إليه ليلى فجأة. كانت المرة الأولى التي تتلاقى عيناها بعينيه مباشرة. كانت في نظرتها خليط من الدهشة والشك والرفض.

مرّت دقائق من الصمت المطبق. سامر تركها تحارب داخلها.

سامر: “عندما قلتِ إن الظلال تطاردك… هل هذه الظلال لشخص تعرفينه؟”

هنا بدأت ليلى ترتعش قليلاً. وضعت يديها على معطفها وكأنها تحاول حماية نفسها.

ليلى بصوت يختلط بالبكاء: “الظلال لأشخاص… لا أستطيع نسيانهم. لا أريد رؤيتهم.”

سامر بهدوء: “من هم يا ليلى؟”

ليلى بصراخ مفاجئ: “إنهم أنا! كلهم أنا!”

ساد الصمت مجددًا. سامر بقي ثابتًا، ينتظر أن تهدأ عاصفة انفعالاتها.

سامر بصوت منخفض: “هل يمكن أن تشرحي ذلك أكثر؟”

ليلى بعد دقائق من البكاء: “أنا أكره نفسي. لا أستطيع العيش في هذه الجسد. منذ سنوات وأنا أسمع أصواتًا… كل صوت يقول شيئًا مختلفًا. كل واحدة منهن ليلى، لكنهن لسن أنا.”

سامر التفت إلى ملاحظاته. بات واضحًا أن ليلى تعاني من اضطراب الهوية الانفصامي .

سامر: “إذن أنت تشعرين أن هناك أكثر من ليلى في داخلك. كيف تتعاملين مع ذلك؟”

ليلى بصوت خافت: “أحيانًا لا أستطيع السيطرة. عندما أكون غاضبة، هناك ليلى غاضبة تقول أشياء لا أود قولها. وعندما أخاف، تظهر ليلى الصغيرة التي تبكي وتصرخ. وكل ليلة، يعود الماضي ليخبرني أنني مجرد ظل في هذا العالم.”

أغمض سامر عينيه للحظة. كان هذا النوع من الحالات يتطلب سنوات طويلة من العلاج، لكنه أدرك أن ليلى بدأت تُخرج ما كانت تُخفيه لسنوات.

في الجلسة الخامسة، سامر قرر إدخال تمارين مواجهة الماضي. طلب من ليلى إغلاق عينيها وتخيّل أنها تعود إلى الغرفة التي أُغلقت فيها لأول مرة.

سامر: “ما الذي ترينه الآن؟”

ليلى بصوت مرتجف: “أرى الباب… إنه مغلق.”

سامر: “هل ترين الطفلة؟”

ليلى: “نعم… إنها هناك، جالسة في الزاوية. تبكي وحدها.”

سامر: “هل يمكنك الاقتراب منها؟”

ليلى: “لا… لا أستطيع.”

سامر بثقة: “أنتِ أقوى مما تعتقدين يا ليلى. قولي لها شيئًا.”

صمت طويل، ثم همست:

“أنا آسفة… لم أكن أعلم أنك وحيدة هكذا.”

بعد الجلسة، خرجت ليلى من العيادة. كانت تمشي بخطوات أكثر ثقة من أي وقت مضى. في مكتب سامر، كان يكتب ملاحظاته الأخيرة:

“ليلى بدأت تواجه ماضيها… الطريق طويل، لكن اليوم كانت أول مرة ترى طفلتها. ربما قد آن الأوان ليجد الظل نورًا.”